الشيخ الأميني

25

موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )

وأخرج أبو عمر في الاستيعاب « 1 » ( 1 / 372 ) بالإسناد عن علقمة قال : جاء رجل إلى عمر وهو بعرفات فقال : جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يحكي المصحف عن ظهر قلبه ، فغضب عمر غضبا شديدا وقال : ويحك ومن هو ؟ قال : عبد اللّه بن مسعود . قال : فذهب عنه ذلك الغضب وسكن وعاد إلى حاله ، وقال : واللّه ما أعلم من الناس أحدا هو أحقّ بذلك منه . فلماذا يحرم هذا البدريّ العظيم عطاءه سنين ؟ ثمّ يأتيه من سامه سوء العذاب وقد خالجه الندم ولات حين مندم متظاهرا بالصلة فلا يقبلها ابن مسعود وهو في منصرم عمره ، ويسأل ربّه أن يأخذ له منه بحقّه ، ثمّ يتوجّه إلى النعيم الخالد معرضا عن الحطام الزائل ، موصيا بأن لا يصلّي عليه من نال منه ذلك النيل الفجيع . لماذا فعل به هذا ؟ ولماذا شتم على رؤوس الأشهاد ؟ ولماذا أخرج من مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مهانا عنفا ؟ ولماذا ضرب به الأرض فدقّت أضالعه ؟ ولماذا بطشوا به بطش الجبّارين ؟ كلّ ذلك لأنّه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال الكوفة يوم كان عليه ما أمر به ، فألقى مفاتيح بيت المال لمّا لم يجد من الكتاب والسنّة - وهو العليم بهما - مساغا لهاتيك الإباحة ولا لأثرة الآمر بها ، وعلم أنّها سوف تتبعها من الأعطيات التي لا يقرّها كتاب ولا سنّة ، فتسلّل عن عمله وتنصّل ، وما راقه أن يبوء بذلك الإثم ، فلهج بما علم ، وأبدى معاذيره في إلقاء المفاتيح ، فغاظ تلكم الأحوال داعية الشهوات ، وشاخص الهوى الوليد بن عقبة ، فكتب في حقّه ونمّ وسعى ، فكان من ولائد ذلك أن ارتكب من ابن مسعود ما عرفت ، ولم تمنع عن ذلك سوابقه في الإسلام وفضائله وفواضله وعلمه وهديه وورعه ومعاذيره وحججه ، فضلا على أن يشكر على ذلك كلّه ، فأوجب نقمة الصحابة على من نال ذلك منه ،

--> ( 1 ) الاستيعاب : القسم الثالث / 992 رقم 1659 .